الشيخ محمد اليزدي

332

فقه القرآن

بالقسط ولا سيما حكّام المسلمين فيما بينهم . الرابعة - قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ . ( المائدة [ 5 ] الآية 49 ) قد أمر اللّه تعالى نبيّه في هذه الآية المباركة بالحكم بين الناس بالحقّ ، وبما أنزل اللّه ، والتحرّز عن اتّباع أهواء أهل الكتاب ، ومراعاة ميولهم جذبا لهم إلى الدين ، والاحتراز عن افتتان الناس في جانب الحق بالتظاهر الموجب للانحراف عن العدل في الحكم ، ثم إن ذلك من مهام آثار الرسالة وأعظم أغراض الهداية ، فان الحكم بالحق وبما أنزل اللّه من أقوى أركان حياة المجتمع الانساني ، وأبقى وأدوم لحياة الانسان على الصفاء والهناء ، بحيث كلّما انحرفت أحكام المحاكم وقضاء القضاة عن القسط والعدل بأيّ سبب كان ، كتنفيذ رغبات وطلبات ذوي الثروات والأموال أو الخوف من ذوي السلطة والمناصب ، انحرف بنسبته استقلال الحاكم والمحكمة ، فتنحرف عندئذ الحياة الانسانية والعدالة الاجتماعية عن المجرى الحقيقي ، وتضيق المعيشة بأهلها كما هو في أكثر البلاد والأقطار الشرقية والغربية ، حيث صارت المحاكم وسيلة في أيدي السلطات الحاكمة ، وآلة للمكر والحيلة والتظاهر بالمشروعية في العزل والنصب ، وفي الاعدام والسّجن والإقصاء وسائر الجنايات الأخرى بأنها مشروعة قانونية ، بينما الشرع والقانون منها براء ، أعاذنا اللّه من شرور أنفسنا وفتن الزمان . فان تولّى القضاة عن الحق والعدل ، وحكموا بغير ما أنزل اللّه ، فإنه سيصيبهم ببعض ذنوبهم ، وان أكثر الناس لفاسقون ، وقد حكم شريح القاضي ( لعنه اللّه ) بما حكمت نفسه وقريحته ، وضلّ من ضلّ بواسطته ووقع ما وقع . والحاصل : ان الآية الكريمة تفيد وجوب الحكم بما أنزل اللّه من الحق